الأربعاء، 25 أبريل، 2012

سوق الأخلاق

حدثني أبو العباس ابن المقفع عن ابنه صاحب الريش الذهبي، أنه حل ضيفا عند رجل من أهل مدينة الكرم ، كان الرجل صاحب واجب ، فأحسن ضيافته و أقسم عليه ألا يرحل قبل أن يزور سوق مدينتهم الأسبوعي ، لذلك اضطر أن يمكث عنده أكثر من ثلاتة أيام ، يقول صاحب الريش الذهبي:
كان رجلا مضيافا ، صاحب خلق عال ، لا يطل عليّ الا بوجه مستبشر ، كل يوم نسهر الى اخر الليل فأنام وأتركه مع مداده وورقه يكتب على ضوء الشموع رسائل بعدد أولاده وزوجه  ، الى أن جاء موعد السوق الاسبوعي ، فنادى على أولاده وزوجه وأعطى لكل واحد  منهم6 ورقات وتلقى هو من عند كل واحد 6 ورقات ، وبعد ذلك انزوى كل من أهل الدار يقرأ الورقات التي وجهت اليه ، وبعد القراءة، نادى رب الاسرة باجتماع وكنت الغريب عنهم لذلك استأذنت بالانصراف فأذن لي على ألا أبتعد عن المنزل كثيرا لكي يجدني حين يطلبني ، استغرق  الاجتماع مدة ساعتين وبعد ذلك خرج  الرجل الطيب في طلبي ، وفي يده ورقة بيضاء ، حدثني فضولي أن أسأله عن الحدث لكن قمعت فضولي وانطلقت معه الى السوق الاسبوعي ، والذي أثار انتباهي هو أن كل أفراد الاسرة يذهبون للسوق ، ليس تلك الاسرة فقط بل المدينة بأسرها ، كل فرد فيها يجب أن يزور السوق الاسبوعي ، المهم لم أُشعر أحدا باستغرابي للامر ، ولم أستفسر أحدا عن ذلك ، لان أبي علمي ألا أتدخل في شؤون الناس ، المهم انطلقنا الى مكان كبير جدا جدا ، تمثل مساحته نصف مساحة المدينة  ، لم يسمح لي حارسه بالدخول فهمهم اليه صاحبي بكلمات وبعد ذلك ابتسم في وجهي و رحب بي في مدينتهم وتمنى لي الاستمتاع بالمشاهده لكن كما قال لي  لا يسمح للغرباء أن يقتنو أي شيء من ذلك السوق ، استغربت لاناس يطردون الزبناء بأنفسهم ، فالتجارة تعني البائع والمشتري وليس البائع والمتفرج ، المهم دخلنا من باب كبير مقوس ومعلق عليه لائحة مكتوب عليها "سوق الأخلاق " لم أعر الاسم اهتماما فقلت في نفسي: كما في مدينتي مدرسة الامل ومستشفى الجدية فأهل المدينة اختارو للسوق اسما جميلا ، مع أول خطوة أخطوها وراء الباب تنقلب مفاهيمي لمجموعة من الامور وأبدأ باستشعار غرابة المدينة وأهلها ، في ذلك السوق لا تعرض السلع انما تعرض الاخلاق للبيع، والعملة المتداولة ليست النقود انما تقييم عمل الفرد خلال اسبوع ومدى استغلاله للاخلاق من أجل النجاح في الحياة  ، ياااااااه ، ظللت أمشي وأنا فارغ الفاه من اعجابي بالفكرة ، الى أن جرني صاحبي من يدي وأخبرني بأنه ملزم باقتناء مجموعة من الاشياء ، فذهبت معه  الى مجموعة من الدكاكين ، كانت العملة التي يشتري بها ما يلزمه ،هي حسن اكرامه لضيفه ، استطاع أن يقتني بتلك العملة ، احترام أهل داره و مداعبة وملاعبة أطفاله و شكر زوجته على خدمتها له و الابتسامة ، وكان يقتني أشياءه وهو ينظر لتلك الورقة التي أحضرها معه ، وقفت مستغربا لامره الى أن انتهى ،ومشينا خطوات فرأيت ابنه الصغير وهو يشتري الصدق والطاعة والاحترام وكانت لديه عملة  المساعدة ، رأيت زوجه تشتري ، العفو والتسامح والمودة بعملة الاخلاص واتقان العمل ، ورأيت أناسا وأناسا ، رأيت الكثير ,رأيت أغرب مشاهد حياتي ، وحين أوشكت الشمس على الغروب ،همست في أذن صاحبي أن لي أهلا غبت عنهم مدة طويلة و يجب أن أرحل اليهم ، فرافقتي الى قافلتي وهو يفسر لي ما اثار فضولي في ذلك الاسبوع ، فقال لي ، بأن كل فرد من سكان المدينة ملزم بتقييم أخلاق من يحتك بهم من الناس مثل أسرته وأصدقاءه ورفقاءه في العمل و مدراءه وجيرانه كل ليلة ، على أن يبعث لكل من قام بتقييم أخلاقهم ملاحضاته  في موعد السوق الاسبوعي ، وبعد قراءته  لذلك التقييم يعقد اجتماع بخصوص أخلاقه وماذا يلزمه أن يقتني من السوق والهدف من ذلك هو أن يتزين أهل المدينة بمكارم الاخلاق ، يقول أبو الريش الذهبي ، وحين وصلت الى منزلي حدثت أهل داري بالأمر فبتنا نقيم أخلاق بعضنا ونجتمع مرة في الاسبوع من أجل دراسة تطور أخلاق كل فرد فينا . 

0 التعليقات:

إرسال تعليق