الاثنين، 11 أغسطس، 2014

مذكرة متشرد (2)

لم يكن صباحي حديث العهد بالولادة......أجهضتْه الحياة في الأشهر الأولى من الحمل....لكنه بات متمسكا بها رغم عمره القصير .....وعيني لا تغفل عن مراقبة ابني الجديد.....أخاف أن تتمرد عليه زفرات السماء ...فراغ الشارع لم يعد يشعرني بالأمان كما الماضي....مشاعر أبوتي لا تسمح لي أن أترك البرد يلسع جسده الصغير ، والايثار الذي لم يكن منهجي ذات نهار بات يحثني أن أُفرش قطعة صغيرة من الرصيف ورقا مقوى سريرا لصغيري وأغطيه بطرف اخر ، لألتحف أنا السماء وأرقد على جنبات صخر بارد في يوم غضبت فيه الطبيعة على أمثالي ، فنزفت أنف الغيمات ثلجا ..........
مستقبل ابني هذا يهمني ، لا أريده أن يكون مثلي أنا.......متشرد في حضن القمامات وكمامات مناديل الدوليو.......سأفعل المستحيل لأراه ناجحا في الحياة ....أن يكون ابن مدارس ...يرتدي ملابس أنيقة ، وتسريحة شعر رائعة .....سأحقق به وفيه كل أمنياتي الماضية .....
صرخة غلاء الأسعار أيقظتني ذات يوم وأنا أتجول في السوق بحثا عن سروال صغير ، وعواء ابني الذي لا تنتهي طلباته صفعني..... هو يريد الغذاء والعشاء والفطور أيضا ..... يريد أن يعيش ....أريده أن يكون........
كنت أكبث رغبتي في تخدير عقله بالسيليسيون .....مدة شهر ، وأنا أعاني معه أحاسيس مختلفة ، رغبتي في جعله ابن مدارس باتت تتثاءب........منعتني مشاعر الأبوة من السرقة .......كانت هي الحل الوحيد لتلبية طلباته .....بعدها سجن ....أتركه لعبة في أيادي المتشردين .......لا لن أسرق أبدا
اليوم كان صباحي كسول جدا ، ودخلت أحلامي في سبات عميق ، وصراخ ابني ليلا أزعجني ، فاستيقظت عازما أن أعلمه أصول وقواعد حياة المشردين ........هو المنديل الذي ينهي كل مواجيعي ويسكت صراخه الى الأبد .......هو الدوليو الذي يحملنا من حثالة المجتمع الى أعالي السماوات ........هو تلك القطعة القذرة التي لم أتمناها أن تكون خليلتي ذات يوم ....سأورثها لابني اليوم......
من "مذكرة متشرد"

0 التعليقات:

إرسال تعليق